منتدى واحة الأدب

للأدب والفنون


    تركيبة الوجود وقيمة الإنسان في (العناصر) للكاتب المغربي أحمد شكر

    شاطر
    avatar
    عبدالرزاق مبارك سوداني
    عضو وفي
    عضو وفي

    عدد المساهمات : 19
    نقاط : 25
    تاريخ التسجيل : 28/11/2010

    تركيبة الوجود وقيمة الإنسان في (العناصر) للكاتب المغربي أحمد شكر

    مُساهمة  عبدالرزاق مبارك سوداني في الخميس ديسمبر 02, 2010 10:29 am


    تركيبة الوجود و قيمة الانسان في “العناصر” للكاتب المغربي أحمد شكر

    فاطمة بن محمود
    هل قلت أني أحبّ القصّ المغربي ؟
    هل قلت أني مغرمة بالحكايات المغربية التي تتقاطر بهاءا و تضجّ بالفتنة و تموج بالسحر ؟
    هل قلت ذلك قبل أن أقرأ لأحمد شكر..
    هل يصحّ ذلك قبل أن أستلذ ّ قصصه رشفة .. رشفة..؟
    يا الهي .. أي أقدار جميلة ساقت لي كتابه ” العناصر”..
    أنا لا أعرف الكاتب و لم يقصدني بكتابه حتى ..خطّ اهداء عاما جدا و مقتضبا جدا ” اليك هذه العناصر.. مع محبتي ” هذا الاهداء غير موجه لي تحديدا بل غير محدد لامرأة ما أو رجل بعينه .. و انما هو هكذا ورد اهداء عاما و سريعا و محايدا.. و مدّ الكتاب لأحد أحبته ( عبد الواحد كفيح ) قصد ايصاله لأي قاريء محتمل بنية نشر الكتاب بين أحبة أحبته….
    و هكذا وصلني الكتاب لنقل بنية طيبة من الكاتب و القاص كفيح الذي كان يمكن أن يلقي به في سلة المهملات الموزعة في شوارع المدينة أو لنادل ما يعلم مسبقا أنه لن يقرأه ..
    لذلك أعتبر أن الكتاب وصل الي صدفة .. تماما مثلما ألتقي صدفة قدرا جميلا.. كأن أكتب على حين غفلة مني قصيدة لم تكن في البال أو أصوغ في لحظة مخاتلة لي قصة قصيرة جدا.. أو أن ألتقي رجلا استثنائيا في مقهى استثنائي و أرتشف قصصه على وقع موسيقى جميلة جدا تنبعث من بين أوراق كتابه التي تمثل حكايته تختزل حياته تصوغ كونه.. و تمتعني
    تلك هي الصدفة الجميلة التي تواصلت فيها مع الكاتب المبدع المغربي أحمد شكر.
    الكتّاب المغاربة الذين سبق و تتبعت بقع الدهشة في نصوصهم جمعني بهم تعليقا على نص أو تراسل افتراضي على الياهو ..أو دردشة على الفايسبوك .. أما أحمد شكر فلا هذا و لا ذاك..و لا تلك .. و لم يسبق لي أن قرأت له أي شيء .. و لا أعرف عنه أي شيء.
    لو تطلعت لاسمه هكذا : أحمد شكر.. سأقول أنه قد يكون شرقيا .. و لو رأيت صورته ( له عمود في الملحق الثقافي المغربي لصحيفة “المنعطف” ) لقلت أنه مواطن من دول الجنوب .. و لكن عندما قرأت قصصه قلت هذا هو ساحر اللغة و سيدها .. هذا هو حبيب القصة و سندها .. هذا هو الكاتب الذي أغرف من قصصه بمتعة و لا .. أرتوي.
    هل قلت أن أحمد شكر يكتب.. قصصا ؟
    لا .. انه يكتب قصائد في صيغة قصصية .. هكذا أراه .. يلتقط مشاهد الحياة و يزجّ بها في محبرته .. انه يحرّك يده في قاع المجتمع و يتحسّس غصّات الناس و يلتقط تبعثر المسحوقين انه يشرق لابتسامة طفل و يبتهج لشهقة صبية و يأنس لحكمة عجوز..
    * عناصر واحدة .. و دلالات شتّى :
    الكتاب .. متوسط الحجم على غلافه لوحة تجريدية – لجوزيف أليساندري – ترتسم مستطيلات متفاوتة الحجام بتناسق فيما بينها و كأنها هندسة ممكنة لبيوت تغصّ بالحكايات العجيبة أو حقول تموج بأفكار الحرية أو لوحة تجريدية تقول الواقع الحزين بيأس ..و ان كان يطغى عليها اللون الرمادي بما هو محفزّ لفضول معرفي .. و رغبة في ادراك ما خلف هذا اللون المربك و المتوتر الذي يجلس على قلق بين البياض و السواد ..
    بين خطوط المستطيلات تندّ بعض اللوان في خجل شبه أزرق ، شبه برتقالي ، شبه أخضر ، تزيد في نسبة التطلّع و غريزة الفضول و تنبه الحواس المختلفة لالتهام القصص..
    على امتداد غلاف الكتاب تمتد حاشية زرقاء .. تشير الى مساحة الكتابة الضيقة في أوطان الجنوب و لكن العنوان يعوّض هذه المساحة المحدودة بأن يحيلنا الى العناصر .. عناصر الكون .. انه يؤسس للكتابة بما هي كون فسيح ، عالم رحب يسع أحلام الفقراء و رؤى الكتّاب..
    اختار أحمد شكر عنوان ” العناصر ” لكتابه هكذا يلقي العنوان باختزال .. لكنه عنوان على ضآلته ( لفظ واحد ) عميق و يفتح على دلالات كثيفة و مختلفة ..
    هل يتحدث عن عناصر الحياة ، عن عناصر الكتابة .. عن عناصر الوجود ، عن عناصر الألم الخ.. عندما قرأت الكتاب وجدته يتحدث عن كل تلك العناصر و أكثر ..
    عمليا يقسم الكاتب المغربي أحمد شكر كتابه الى أربعة أبواب الماء ، الهواء، النار، التراب .. و في كل باب يختار مجموعة من القصص ذات خيط ناظم موحد .. يرتبط بشكل أو بآخر بعناون الباب…
    يقدم الكاتب أحمد شكر مجموعة من القصص لكن في الحقيقة أجدها قصة واحدة أو قل رواية قصصية ( على شكل رواية شعرية ) و قد يكون بذلك مؤسسا لنمط كتابة جديد .. فالمبدع يكتب و الناقد يتتبع آثار الدهشة فيه الكاتب يداعب اللغة على طريقته و المنظّر يضبط الاتجاهات النظرية..
    أليست اللغة هي التي ظهرت ثم ظهر علم اللغة .. أم يظهر الفن ثم ظهر علم الفن أو الجمال..
    لماذا أقول هذا ؟
    لأن قصص أحمد شكر تحتكم الى خيط ناظم واحد هو ذات القاصة، فهو دائما صاحب القصة .. دائما ذلك الانسان الذي تؤرقه فكرة و يزعجه وضعا و يعذبه حلما..
    يتحدث أحمد شكر مثلا عن المهاجر خلسة .. يتحدث عن السقاء و في كل ذلك تجد الكاتب يصطدم بصخرة المعنى.. و لعل اللغة التي يستعملها تجعله كتابته غير مستهلكة ، غير ممجوجة .. فيرتقي بالحدث من مستواه اليومي الى مستوى ذهني مجرد .. فتصبح المعاناة وجودية .. يذكرني بالكاتب التونسي الكبير محمود المسعدي في رواياته المتعددة .. فهو يلتقط الحدث و يشحنه بمعنى..يحتزل اللغة و يصقلها بعناية.. لذلك يبدو أحمد شكر كاتبا رهيفا رقيقا محبّا و.. حكيما.
    لذلك أقول أن قصص العناصر لأحمد شكر هي قصص تعني قرّاء معنيين .. انه كتاب يختار قرّاءه بعناية و يصوغ معهم علاقة اتفاقية ترتفع بالسائد و اليومي و الرتيب الى مستوى الألم الذهني و الوجع الوجودي..
    أحببت هذا الكتاب .. و جعلته في حلّي و ترحالي .. أصرّ أن يأخذ حيزا على الطاولة الصغيرة التي لا تكاد تسع قهوتي و كأس عصير صديقتي و علبة سجائرها و مفاتيح السيارة و هواتفينا الجوالة .. و قارورة الماء و.. تضيق صديقتي.. تطالب سحب الكتاب حتى تتّسع الطاولة لحكاياتنا الكثيرة و قهقهاتنا و الصمت الذي قد نختاره أحيانا للتواصل بيننا و لكني أصرّ أن يبقى كتاب أحمد شكر .. انه كتاب جميل أتممت قراءته و لم أنته منه .. لم أغرس فيه أنياب فضولي و لم أرتو منه بعد.. قد يغري هذا صديقتي بقراءة الكتاب لكن ستعيده لي سريعا.. أعرف صديقتي لا يروقها أن تقرأ القصص بعيون العقل..
    * عندما يبكي .. البحر :
    بطل القصص هو الانسان العالمي ( ليس بالمعنى المتعولم البائس ) و انما يعني انسان الجنوب في المطلق المعدم و الطيّب و المهمش و التائه و المنسحق .. انه كاتب انسان يحب الحياة و يكتب الرغبات و موجوع حد العظم .. تراه مرة في ( قصة جثامين ص 9 ) و قد ضاقت به البلاد فيقرر أن يهاجر .. بحثا عن منفذ آخر يطل منها على الحياة الجميلة .. و لكن ” لم يكن ليصدق لكن هل يكذب مسامعه ليتأكد من مصدر الأنين و الصراخ و الاستغاثات التي لفظها البحر فجرا ؟ ” اصطدم الانسان بصخرة الماء سيان أن يكون هناك قبر في قلب الماء أو في أرض خلاء بدون شاهدة تحفظه…يصله صوت بكاء البحر…( ص ص 17 )
    هل البحر يبكي؟
    يترك أحمد شكر هذا السؤال معلقا في الهواء.. و لكن يقينا أنه يترك هذا السؤال بنيّة مبيّتة .. انه يعلم الاجابة مسبقا.. نعم .. يبكي البحر و بمرارة أيضا.
    يبكي البحر .. عندما ترتمي على شواطئه أشلاء الأحلام المبعوجة و بقايا رغبات مهترئة..
    يبكي البحر.. عندما يجد أجساد الشبّان المكتنزة بالحياة و قد تحولت الى جثث تتلاعب بها الأمواج.. عشوائيا.
    يبكي البحر و يتألم عندما تشتدّ في ارجاءه الفسيح صراخ الحياة و استغاثات المفجوعين ..
    يبكي البحر و يختنق .. و تشعر بغصّته وهو يرى الزورق الصغير عاجزا أمام أمواج الطبيعة.. العالية.
    * ماء .. الحياة :
    هذا الماء الذي سلبت فيه الحياة بجعله في قصص أخرى مبعث للحياة.. يعيد للماء وظيفته و يجعله في طاسة نحاسية .. انه السقّاء.. يدور بين الناس و ينادي لارتواء ” ها الماء .. أ .. عباد الله .. ها .. الماء .. هاهي عامرة.. ”
    لكن هل كان السقاّء يبيع الماء حقا.. أم يعرض عليهم الحياة و يقدم لنفسه الرغبات المكتنزة ” و عيناه الزائغتان تثقبان المؤخرات بشغف و يداك تلامسان النافر من الصدور بتلذّذ مهوس.. ”
    مفارقة السقاء كما يقدمها أحمد شكر انه يحمل الماء و لكنه ضمآن .. يعرض الحياة و لكنه محروما من متعها .. يتعقبها الجميع و يلح في الاستعطاء و يقابله الجميع باللامبالاة و يعرضون عن نداءاته : ها .. الما .. الحلو ..
    أنا أيضا كنت من بين تلك الجموع و لم أنتبه للسقاء يعرض الحياة في احدى ساحات كازابلنكا تركته و لم أعبأ به ثم بسرعة انتبهت له فعدت أبحث عنه و صديقتي تلاحقني و أتعثر بأجساد البشر حولي و صديقتي تكاد تسقط و أنا أدور بحثا عن السقاء..و فجأة وجدتني أمامه و تهلل وجهه بشرا .. و همّ بابتسامة ان يصبّ لي الماء فلوحت له بيدي الى آلة التصوير .. لا أريد ماءه .. أريد صورة لي معه ..
    هو يريد أن يبيعني قليلا من ماءه .. ليشتري نزرا من الفرح لأطفاله و أنا أريد صورة لأباهي زميلاتي في العمل .. ” لقد كنت.. في .. كازابلنكا “.
    لذلك يشعر أحمد شكر بألم السقاء الذي تجاوزته خطى الناس و الحاملين قوارير الماء في أياديهم أو حقائبهم الصغيرة .. لقد تخطاه الزمن .. ضمرت قربته و تغضّنت فبسطها كجثة متعفنة في باب المسجد .. لها الله هذه القربة.. تشقق زمن اللحظة بتجاعيد البوار الي امتدّ الى كل شيء..
    تبدو هذه اللحظة في منتهى انسحاق السقاء و في قمة التراجيديا الانسانية.. انه السقاء يواجه حقيقته .. الجافّة ، لقد انتهى زمنه و عجز عن الحياة لذلك عاد الى المسجد ..سلّم أمره للقدر و أسلم نفسه للاله .. كأنه في جلسته تلك أمام باب المسجد يعلن موته .. و يبدو أحمد شكر متفاعلا مع ذاته.. كانسان يصطدم بصخرة القدر.. يتفاعل مع هذا السقاء و تتلاشى الكلمات في الفضاء الفسيح و تضيق الورقة بالوجع .. و يجد أحمد شكر أن أفضل طريقة هي الانسحاب من أمام هذا السقاء فيقول : حتى الكتابة نضبت ماؤها و ” و يرمي قلمه .. سلاح الكاتب.. في الحياة.
    * لغة القصّ .. حكمة اللّغة :
    أشدّ ما أدهشني في قصص أحمد شكر تلك اللغة المصقولة بعناية .. المنحوتة بمهارة .. فهي تجمع بين شعرية اللغة في المبنى و حكمة في المعنى .. تقرأ له بسلاسة فتستلذ اللغة المترقرقة جمالا و تستلذ الحكمة المبثوثة في جنباتها .. قد توافقه على بعضها و قد تخالفه على بعضها الآخر.. و لكن في كل الحالات ستعجب به.
    تأمل معي مثلا .. عندما يقول :
    “ ليس في الأمر تفاضل، و لكن قدرنا أن لا تكون لأحلامنا حدود رؤيا ، غير سقف ممتد الى قبة السماء و خلاء تمرح فيه أفكارنا السوداء. للرؤية حدود بالضرورة و لو انها افتراضية الا اقامة الرمل فهي بلا حدود”. ( قصة اغتيال ص 29 ).
    أو اقرأ معي : ” الموت أرجوحة قدرية لا مفر من اعتلائها ، لكن الفراق هو الذي يترك ندوبه البليغة في حياة بعض منّا. ” ( قصة العودة الى .. هناك ص 65 ).
    اللغة التي يكتب بها مربكة : يجعلك تواجه يقينك بارتياب .. تواجه اطمئنانك بارتباك ..انه يحدث فيك الصدمة :
    - هل يحق لنا أن نثق في أحلامنا ؟
    يلقي أحمد شكر سؤاله هذا و يمضي و ألتف أنا على جمر هذا التساؤل و أحترق..
    هل يعني هذا أن أحلامنا قد تكون أوهام ؟.
    اذا تحقق الحلم تخلى على أن يكون حلما و أصبح واقعا ..
    و اذا ظل الحلم حلما يتحول الى وهم..
    في الحالتين أفقد الحلم .. و أرتبك ..
    هل يمكن للحياة أن تكون لها معنى دون.. أحلام.؟
    يقول فرويد و العهدة عليه حسب ما أظن ..” نحتاج الوهم حتى نخفف من حدة الواقع“.
    اذن هل يقصد أحمد شكر ارباك قراءه.. أم يدعوهم الى النظر من جديد في قائمة أحلامهم..و تجديد يقينهم بالحياة.
    لكن هل يبدو أحمد شكر .. في قصصه المختلفة مؤمنا بيقين ما ؟
    أعود لقصصه و أترك بصري يتصفحها و عقلي.. يقرؤها .
    و أكتشف : لا يقين.. ممكنا.
    حتى الكتابة ليست يقينا.. و قد يبهت الحبر و يجفّ القلم و تمتنع اللغة عن القول و بذلك ينتهى الى العدم .. أنظر مثلا عندما يتحدث عن السقاء الذي فقد وظيفته الاجتماعية و يترك أحمد شكر قلمه يجوس بمهارة في الدواخل النفسية لهذا السقاء.. الى حد أن يفرّ من السوق و يلتجىء الى عتبة المسجد و يرمي بجسمه المنهدّ و قربته المتغضنة .. يتماهى الكاتب مع شخوصه حدّ يقول .. نضب ماء السقايات و تشقق زمن اللحظة زمن اللحظة بتجاعيد البوار الذي امتدّ الى كل شيء.حتى الكتابة نضب ماؤها.
    و أصعق ..هل حقا يقصد الكاتب أحمد شكر أن يعلن وهمية الكتابة .. هل يقصد حقا موت الكتابة ؟
    و أعود الى قصصه .. انه يعلن موت أحلاما و يبشّر بأحلام أخرى ممكنة.
    انه يعلن موت الكتابة و لكن ليجعلها تحيا من جديد في الشخوص التي ينحتها الكاتب
    فاللغة فقدت دالها.. فقط لأنها تتفاعل مع مدلولاتها ..
    * يقين .. القلق :
    الكاتب المغربي أحمد شكر هنا لا يصنع شخوصا بل يلدها ..لا يصوغ أحداثا بل يعيشها .. لا يكتب بل يقدّ من أعصابه .. لذلك أرى الحبر لا يسيل من قلم أحمد شكر بل من شرايينه.
    كم تشظيني .. قصصه…؟
    هكذا يرمي الكاتب أحمد شكر هذا السؤال و يمضي مع شخوصه الى حيث الفوضى..
    فوضى الحياة و الأسئلة و انعدام اليقين…
    لذلك يجعلك الكاتب أحمد شكر تقرأ بعقل متيقظ.. لا يمكن و أنت تقرأ له أن ترفع رأسك على خطى أنثوية تمر بجانبك في الحديقة العمومية و تتبع مؤخرتها وهي تتمايل…لا يمكن أن تقرأ قصصه و ترفع بصرك عن صفحات كتابه لتنظر في اتجاه شرفة جارك .. فقد تمرق زوجته بين لحظة و أخرى بملابس صيفية خفيفة تنشر ثيابا و تترك شهوتك تتدلى على حبل الغسيل..
    عندما تقرأ لأحمد شكر .. سيمسك بتلابيب وعيك و يجعل تتألم لألمه .. أقصد ألم شخوصه..
    عندما تقرأ لأحمد شكر تجد كل حواسك مجمّعة و تستلذ طريقته في التعامل مع اللغة و يروقك أسلوبه في الحياة.. و طريقته في نحت قيمة الانسان.
    عندما تقرأ لأحمد شكر .. ستفكر معه في الألم و اللذة..و الموت و الحياة .. و الرغبة و الحب .. و القلق و اليقين .. و الصداقة و العداوة ..
    أحمد شكر يجمع كل تفكيرك حول فكرة واحدة و يجعلك تقلّبها على كل جوانبها و تنسى حبيبتك بقربك و التي .. تتقلّب على جنبيها و هي.. تنتظرك.
    لذلك عندما تقرأ لأحمد شكر .. ستجمع قلقك و تسعى باحثا عن قصص أخرى له لتقرأها .. و تتأكد انه يكتب هذا .. تلك طريقته للتعامل مع بياض الورق .. تلك هي مكانة القلق .. الوضع الملائم الذي يمنح قيمة للانسان.
    ان كتاب ” العناصر ” هذا ليس فلتة كاتب أبدع مرة و انتهى .. بل هو كتاب يبشّر بكاتب مميزا.
    يتعامل الكاتب أحمد شكر مع مواضيعه بذهن متقّد و وعي مبيّت و مكر جميل.
    و يجعلك تؤمن أنه يحافظ على تركيبة الوجود لأنه يحترم حقيقة الانسان و يمنحه القيمة الأنطولوجية التي تجعله خارج اطار القلق الفعلي و السؤال المنفتح .. لا معنى له.
    لذلك أحدس أن أحمد شكر قد لا يكون له قرّاءا.. كثرا، و لكن حتما سيكون له صفوة القرّاء و أجملهم .. قد لا يكتب للقطيع لأنه يؤمن بالنخبة و قدرتها عل الفعل و التغيير..
    لقد علمنا التاريخ أن وعي القطيع متكلّس.. جامد.. مهمّش.. اتّباعي… و لا يتغير بذاته اطلاقا و انما تقوده النخبة .. و أحمد شكر يكتب لتلك النخبة و هذا من عناصر قوته..
    هذا قد يحلم به كل الكتّاب .. و هذا ما لا يقدر عليه كل الكتّاب..
    لذلك أجد أسلوبه في الكتابة جديدا و مبتكرا و جميلا و مدهشا..
    * صدق الكتابة .. نفاق الكتّاب :
    أضع كتاب ” العناصر” برفق على طاولتي و أخذ آخر رشفة من قهوتي ..
    و أفكر مرة أخرى..
    - كيف وصل لي هذا الكتاب ..؟
    و يقفز سؤال الى ذهني :
    - هل هناك علاقة ممكنة بين مهارة الكاتب في نحت شخوصه على الورق و التفاعل معها و بين مهارة الكاتب في نحت صداقاته في الواقع و النجاح فيها ؟
    يريد الكاتبان عبد الواحد كفيح و عبد الله المتقي تقديم هذه القراءة ( البسيطة و المتواضعة جدا ) هدية مفاجئة لصاحبهما أحمد شكر؟
    - ما الذي يجعل الكاتبان المغربيان كفيح و المتقي يخاتلانه في سحب نسخة من كتابه” العناصر” من بين يديه و رسم اهداء عام ” اليك ( قد تكون بالفتحة أو الكسرة ) مع محبتي ” و هما يقصدان أساسا أن يرسلا الكتاب لي تحديدا و على ثقة تامة من المهارة الأدبية لصاحبهما .. و على ايمان بأن هذا الكتاب القصصي سيروقني و سأكتب عنه مقاربة عاشقة .. و يريدان مفاجأته بها.. ؟
    قد يبدو السؤال في المطلق بلا معنى .. و لكن عندما أنزّله في اطار واقع الكتّاب ببعضهم ..عموما ستجدها علاقات مصطنعة تحتكم الى المصلحة الخفية من أحدهما أو كليهما و الى النفاق الاجتماعي و قد يتمزق الغشاء السطحي لتكشف عن حسد و كره و ضغينة ..
    أبتلع ريقي بغصة و أنا أتذكّر بعض الذين نافقوني طويلا و في لمحة صفاء نادرة منهم عبروا عن كرههم الصادق لي .. فقط .. لأني أكتب .. مختلفة عنهم .
    من هذا المنطلق .. يظل السؤال معلّقا ..
    - هل هناك صداقة ممكنة بين الكتّاب ؟
    الواقع يقول .. قطعا ..لا.
    و لكن وصول كتاب ” العناصر” لأحمد شكر يقول .. نعم .
    و بين هذين اليقينين .. يستقرّ شكيّ.
    و أعيد قراءة هذه المقاربة و أتساءل .. هل وفيت من جهتي في نحت هدية ممكنة تفي الصداقة حقها بين الكاتبين كفيح و المتقي من جهة و أحمد شكر من جهة أخرى ؟
    أجمع أشيائي من فوق الطاولة.. أضع الكتاب بهدوء في حقيبتي و أترك سؤالي معلقا في فضاء الطاولة و .. أغادر المكان.
    أتمنى أن أكون قد وفيت و لكن بصراحة .. أشكّ في ذلك..



    الناقدة التونسية فاطمة بن محمود(منقول عن دروب)
    avatar
    بدري نعيمة
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 135
    نقاط : 304
    تاريخ التسجيل : 27/11/2010

    رد: تركيبة الوجود وقيمة الإنسان في (العناصر) للكاتب المغربي أحمد شكر

    مُساهمة  بدري نعيمة في الجمعة ديسمبر 03, 2010 2:22 am

    جعلتني باختيارك وجعلتني الناقدة بتحيلها الرائع أتشوق لامتلاك هذا المؤلف
    المتغلغل في نسغ المجتمع المغربي
    شكرا أستاذ سوداني


    _________________
    كفي قيثارتي عن بكائك
    فقد أدمت أوتارك آهاتي[center
    ]
    avatar
    المصطفى كووار
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات : 86
    نقاط : 152
    تاريخ التسجيل : 27/11/2010
    العمر : 72

    رد: تركيبة الوجود وقيمة الإنسان في (العناصر) للكاتب المغربي أحمد شكر

    مُساهمة  المصطفى كووار في الجمعة ديسمبر 03, 2010 4:07 am




    اختيار جميل ومفيد ، أرجو أن يغني الإخوة الأعضاء هذا الركن بما يفيد.
    مودتي


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 22, 2018 12:43 am